الشيخ باقر شريف القرشي

42

حياة الإمام زين العابدين ( ع )

اصابتها بعد ولادتها حمى النفاس ، وضلت ملازمة لها ، وقد اجتهد الإمام الحسين ( ع ) في أن يطفئ عنها وقدة الحمى وجذوتها فلم يستطع ، واشتد بها الحال ، وفتك بها المرض فتكا ذريعا وذبلت نضارتها ، وعادت كأنها جثمان فارقته الحياة ، وكانت تلقي نظرات مشفوعة بالألم والحسرات على طفلها الرقيق الذي لم ينتهل من نمير عطفها وحنانها . واشتدت بها الحمى ، وانتابتها الام مبرحة ، وبقيت أياما تعاني من شدة الأسقام حتى صعدت روحها إلى السماء كأسمى روح صعدت إلى اللّه « 1 » وقد انطوت بموتها صفحة ناصعة من صفحات الفضيلة والعفة والحياء ، وكل ما تعتز به المرأة من أدب وكمال . . . وقد رزئت الأسرة النبوية بوفاة هذه السيدة الجليلة التي كانت تمثل الشرف والفضيلة ، وقد جرى لها تشييع حاشد ضم الإمام الحسين وخيار المسلمين وجماهير كثيرة من المسلمين ، وقد وارى جثمانها الشريف في الكوفة وقد تألم الإمام الحسين لفقد هذه السيدة التي عاشت بينهم أياما كأيام الزهور فلم يطل منها العهد . لقد نكب الإمام زين العابدين عليه السلام بوالدته وهو في أول مرحلة من مراحل طفولته ، وكان ذلك ايذانا لتتابع المحن والخطوب عليه التي لم تجر على أي إنسان سواه . مربيته : وعهد الإمام الحسين عليه السلام إلى سيدة زكية من أمهات أولاده بالقيام بحضانة ولده زين العابدين ورضاعته ورعايته ، وقد عنيت به هذه المرأة الصالحة كأشد ما تكون العناية ، فكانت ترعاه كما ترعى الأم الرءوم فلذة كبدها ، وقد درج الإمام في جو من الكتمان الشديد ، فلم يخبره أحد بموت أمه الا بعد أن كبر لئلا يحترق قلبه ويقلق باله « 2 » .

--> ( 1 ) اثبات الوصية للمسعودي ( ص 143 ) الإمام زين العابدين ( ص 18 ) . ( 2 ) الإمام زين العابدين ( ص 19 ) .